علي محمد علي دخيل

89

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

129 - لما قال تعالى ليس لك من الأمر شيء عقّب ذلك بأن الأمر كله له فقال : وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وملكا ، وخلقا واقتدارا على الجميع ، يصرفهم كيف يشاء إيجادا وإفناءا وإعادة يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ من المؤمنين ذنوبهم فلا يؤاخذهم بها ، ولا يعاقبهم عليها رحمة منه وفضلا وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ أي ويعذب الكافرين ومن يشاء من مذنبي المؤمنين إن مات قبل التوبة عدلا ، ويدلّ عليه مفسّرا قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . 130 - 132 - لما ذكر سبحانه أن له التعذيب لمن يشاء ، والمغفرة لمن يشاء ، وصل ذلك بالنهي عما لو فعلوا لاستحقوا عليه العذاب وهو الربا فقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي صدقوا اللّه ورسوله لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا ذكر الأكل لأنه معظم الانتفاع وإن كان غيره من التصرفات أيضا منهيا عنه ، والربا : الزيادة على أصل المال بالتأخير عن الأجل الحال أَضْعافاً مُضاعَفَةً معناه : تضاعفون به أموالكم ، ويدخل فيه كل زيادة محرمة في المعاملة من جهة المضاعفة وَاتَّقُوا اللَّهَ أي اتقوا معاصيه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ لكي تنجحوا بإدراك ما تأملونه ، وتفوزوا بثواب الجنة وَاتَّقُوا النَّارَ أي اتقوا الأفعال الموجبة لدخول النار . والوجه في تخصيص الكافرين بإعداد النار لهم لا يمنع من مشاركة غيرهم الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ أي هيئت واتخذت للكافرين وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فيما أمركم به . وأطيعوا الرسول فيما شرع لكم لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أي لكي ترحموا فلا يعذبكم . 133 - 134 - لما حذّر اللّه تعالى عن الأفعال الموجبة للعقاب عقّبه بالحثّ على الأفعال الموجبة للثواب فقال وَسارِعُوا أي بادروا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ باجتناب معاصيه ، ومعناه : إلى الأعمال التي توجب المغفرة قيل : إلى الصلوات الخمس عن يمان وقيل إلى الجهاد عن الضحاك . وقيل : إلى التوبة وَجَنَّةٍ أي وإلى جنة عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ معناه : عرضها كعرض السماوات السبع ، والأرضين السبع إذا ضمّ بعض ذلك إلى بعض وإنما ذكر العرض بالعظم دون الطول لأنه يدل على أن الطول أعظم من العرض ، وليس كذلك لو ذكر الطول دون العرض أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ أي المطيعين للّه ولرسوله لاجتنابهم المقبّحات ، وفعلهم الطاعات الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ صفة للمتقين ومعنى السراء والضراء : في اليسر والعسر وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ أي المتجرعين للغيظ عند امتلاء نفوسهم منه ، فلا ينتقمون ممن يدخل عليهم الضرر ، بل يصبرون على ذلك وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ يعني الصافحين عن الناس ، المتجاوزين عما يجوز العفو والتجاوز عنه مما لا يؤدي إلى الإخلال بحق اللّه تعالى وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ أي من فعل ذلك فهو محسن واللّه يحبه بإيجاب الثواب له . 135 - 136 - وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ الفاحشة : الكبائر ، وظلم النفس : الصغائر ذَكَرُوا اللَّهَ أي ذكروا وعيد اللّه فانزجروا عن المعصية ، فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ من لطيف فضل اللّه تعالى ، وبليغ كرمه ، وجزيل منته ، وهو الغاية في ترغيب العاصين في التوبة ، وطلب المغفرة ، والنهاية في تحسين الظن للمذنبين ، وتقوية رجاء المجرمين وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا أي لم يقيموا على المعصية ولم يواظبوا عليها ، ولم يلزموها ، قال الحسن : هو فعل الذنب من غير توبة وَهُمْ يَعْلَمُونَ المراد : وهم يعلمون أن اللّه يملك مغفرة ذنوبهم أُولئِكَ إشارة إلى من تقدم وصفهم من المتقين الذين